نخبة من الأكاديميين

506

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

مجموعة من القضايا البديهية والقدرات العقلية والميول والغرائز التي تضمن له سيراً طبيعياً نحو تكامله المرسوم له . وكل الحضارات والمذاهب والأديان إنّما جاءت لتثير في الإنسان دفائن العقول كما يعبر الإمام علي ( ع ) وتهيئ الجو المناسب لبروز طاقاته الكامنة ، فتهديه سبيلًا يختلف كل الاختلاف عن السلوك الذي تسلكه الحيوانات العجماء التي لا تتمتع بما يتمتع به من طاقات . أما القضايا البديهية فهي التي تمنحه القدرة على المعرفة : معرفة نفسه ، ومعرفة الكون والواقع ، وفلسفة الوجود ، وإدراك العلاقات القائمة بين الأشياء ، وذلك كله من قبيل : الإيمان بمبدأ العلية ، والإيمان بمبدأ استحالة التناقض ( الجمع بين النقيضين ، وارتفاع النقيضين ) و ( بعض القضايا الأخرى ) . فهذه شؤون مغروزة في القناعة والوجدان الإنسانيين لا يحتاج للاستدلال عليها ، وإلا دخلنا في طريق مسدود ، لأنّ الاستدلال نفسه يتوقف عليها كما هو واضح . أما القدرات العقلية فهي نفس قدرة النفس الإنسانية على التأمل والتفكير وتجريد القضايا من ملابساتها والصعود من مرحلة الجزئيات إلى مرحلة الكليات ، والقيام بقياس الأشياء للوصول إلى تصورات جديدة والتخطيط الذهني لمراحل غير موجودة على صعيد الواقع القائم . إن هذه القدرة الذهنية هي من مختصات الإنسان وهي سرّ مسيرته التكاملية وإبداعه ونموّه . وأما الميول الغريزية فهي التي تقوده نحو كماله وتدفعه للاستفادة من طاقاته في هذا المجال ، ومن هذه الميول : ميله إلى الكمال ، والسير نحو الكمال المطلق ، ومحاولة سد جوانب العجز في وجوده ، والركون إلى هذا المطلق القادر وأداء حقه وشكر نعمه والقيام بحق طاعته فهذه أمور يجدها الإنسان مغروزة في الطينة الإنسانية ، وإن اختلفت تجلياتها وتعددت أساليبها ، وربما غطت الشبهات على هذه الميول وكبتتها . ومنها أيضاً غريزة حب الذات والعمل على تحقيق طموحاتها ، فهي من الغرائز الأصلية في الإنسان التي لا يمكن تجاوزها والقضاء عليها ، كما تصورت الماركسية يوماً ما فاعتبرتها ظاهرة فوقية يمكن حذفها من الوجود الإنساني من خلال تحريم الملكية . ومن تلك الميول التذوق الفني : والابتهاج لعناصر الجمال التي يزخر بها هذا الكون . وعلى هذا فالذي يبدو لنا بكل وضوح أيضاً أن مسألة الإيمان بنظرية الفطرة الإنسانية تفسح المجال للحديث عن جملة مفاهيم من قبيل مفاهيم : ( الحقوق ) و ( التكليفات ) و ( العدالة ) و ( الإنسانية ) و ( الأخلاق ) و ( الذوق الفني العام ) و ( القيم المشتركة ) و ( الحضارة ) و ( الحوار ) و ( الدين ) و ( المعرفة ) و ( التصديق ) و ( المنطق ) ، بل وحتى ( البرهان والاستدلال ) و ( العلم ) لأنهما يعتمدان على عنصر ثابت بدونه لا تسلم لهما حدود ومعالم . وبدون الإيمان بهذه النظرية يبقى الإنسان حبيس نفسه ولا يتصل إلا بصوره الذهنية كما يعبر جورج باركلي ، بل يمكن القول إنه لا يستطيع الإيمان بذاته هو ، وهذا منتهى الخواء .